سليلة الياسمين
(
اللقاءُ الأَخير )
بِخُطًى وئيدةٍ تمشي ، الزهرُ يَتطيّب بنسيمِها ،
كُلٌّ في الدروبِ يرحبُ ، تزدحمُ الجُنبات ، الدفوف تُضرَبُ ، الرايات يرقِّصُها
وقعُ أَقدام الأميرة ، فوقَ البيوتِ ، حَتَّى الزوارق ، والأشجار تزينت ، ملاك وإِكليلها الياسمينيّ ذو الورود الحمراء ،
يرفرفُ ، توزعُ الهدايا على جميعِ أَفنانِ المملكة . كُلَّ صباحٍ تستقبل المهنئين
من الشعبِ والوفود .
فِي المساءِ تخرجُ لتتفقد أزهارَ بلادِها مع
جاريتها المحببة ، لوحدهما تتهامسان . تجلسُ مع الصغار تهمسُ في قلوبِهم الحبّ
والإِخاء ، تجالسُ العجائز وتستمعُ الحكمة والنصائح ، وتعودُ المرضى ، وباقات من
عطر الكلام ، وزهر الابتسام تهديه لهم .
ذات مساء تجد قبراً جديداً ، بين أزهار لا يزال
عطرها فواحاً ، جلست عنده ، تحسُّ أن القبر يضمُّها إِليه ، تغيرتْ ملامحُهَا ،
تأخذُ سيقانَها رعشةٌ ، تشمُّ ترابَ القبرِ ، تُرى من يكون ؟! ولمَ يجذبني نحوه ؟!
. سألت الجارية " قبر من هذا ؟ " بصوتٍ بدا يتكسر ، تلاشى قبل أن يتم
الجملة .
- انهضي سأُخبرك لاحقاً .
- لا أَبرحُ حتَّى أَعرفَ من فيه ، يبدو أَنَّه فقيرٌ ،
أَو بلا أهلٍ ، لِمَ يدفنُ هنا وحيداً بينَ الأزهار ؟ ما قصته ؟ أَلا تعرفينَ
أَنَّي لا يعجبني أَنْ يبقى القبرُ بلا دليلٍ ؟ بصوتٍ يبدو عليه الجدّ من الخارج .
- ليس حينه ، الآن نكملُ مشوارنا ، وسيكونُ حديثنا الليلة بإذن
الله .
- هلا أَخبرتني بشخصه ؟ أَم هناك حكاية خلف هذا التراب
الفائح طيباً ؟
- أَيّتُها الياسمينة مدينتك كُلّهَا تفوحُ بعطرك وشذاك ،
فليبتعدْ عنك القلقُ ليلاً لنا حديثٌ معه .
- حسناً لرغبتك سأمشي معك واعلمي أَنَّ قلبي متشبثٌ وباقٍ ،
ما السبب لا أَدري ! وما أَفعل لو كان مظلوماً ، أَو مات راغباً .... ؟ العجز بانَ
على ملامحها ، وللحيرة في عينيها لمسات .
الجارية تقلقل لسانها ، ما أقول ؟ كيف أَخبرها ؟؟
أَي حديث ينسيها هذا القبر ؟ هل أَخبرها ولم يمرّ على خروجها من المشفى اثنا عشر
يوما ؟ ستموت إِنْ عرفتِ الحقيقة ... نعم ستموت .
- " ما بك ؟ لمن تهمسين ؟ أهناك أَمرٌ مريب .... ؟ ما قلت لم اسمع حرفاً "
- تبتسم ابتسامة غرور ودلال ، " يا زهرةَ الزمانِ لا
شيء فقط همهمة خوف يتربصُ بنا سينزل الليل علينا ونحن لم نتمّ جولتنا " .
- لننطلق إِذن وليكن الليلة حديثك عن قبرٍ ملكني .
- تقاطعها " ما بك ! هل تشعرين بشيء ؟ "
- لا .. لا .. لا شيء ، قلبي دقاته صداها يرددها القبرُ ،
فكأَنَّه يضمُّني إليه ، يتشبث بي ، يداهم فكري ومخيلتي .
بعد أن جاء بجيشٍ من العتمة وألوية
من الصمت ، وخرج من غياهب الأَرض ليخفي الشمس ، وتسدل راياته ، وتَعوم المدينةُ
بسواده .
تستلقي بساط التفكير ، ترقب النجوم
عبر النافذة ، تتأمل حركة الليل الصامت ، من وراءِ الصَّمتِ صوتٌ رقيقٌ يهمسُ ، ينطقُه
الهدوءُ : " سليلة الياسمين طاب بك المساء ، والأُنوثةُ بأَنفاسِكِ تعبقُ ،
هل جميلٌ أُفقُ النخيل وهو ينصتُ لضياء القمر ! " .
مياه البحيرة أ لطيف هديره ! لا
تقربي - أَرجوك - من حافات الشرفة والبحيرة ...
تغرز سمعها .. بينهما حاجز ،
تلتفتُ ، يختفي الصوت ، تقلِّب الفراش تبحث
عنه .. تناجي نفسها إِنَّه من داخلي ليس من هنا ولا من هناك .... تغلقُ
النافذة ، وتلوذ بجدار الصمت .
قدمت الجارية صندوقا خشبيا ، بعد استئذانها ،
شبيه بصندوق الميراث ، إِنَّه صندوق الأمانات والهدايا .
تستمتع بالهدايا ، من بنات الأمراء
، والقادة ، والتجار ، تضع القلادة هذه ، وتخلع ذاك العقد ، تلبس الأساور ، وتجرب أنواع
الأكاليل والملابس السندسية .. ترقصُ .. ويذوبُ من الليل ثلثاه ، كنسمة عطرٍ باردة
في ليلٍ قائض .
معها على المسرح ، يشجعها ، ويفرح
، ويسعد برقصاتها .. " .. تغنجي ياسمين ، وارقصي ، وابسمي ، أَنتِ أَملٌ يكبر
، أنت نهرٌ من الحُبِّ لا ينضب ، ما أَبهى طلعتك بعطر عنبر ، كأَسُ الجمالِ
بوجنتيكِ مسكوبُ ، وسرُّ بسمتك طفلٌ يَتجددُ " .
تحدثه بغنجٍ : " أَنا الدلال الأكبر
، أنا عبير ذاك العنبر ، أَنا قمر .. أنا نجمة ، أنا شهرزاد الحكمة ، والسحر
الأعجب ! ، من هدوئي تغار الحمائم ، وتخجلُ حورُ الأنهار .. من شعري يتلاشى سواد
الليل الأكحل ، وحُبِّي لا ينقشُ بحرفٍ ينطقُ ، تلتفت ، وتومئ بإكليلها للنافذة
برقصة باليه رشيقة ، " اسمع لحرفي وأبصر رقصة البجع الأبيض ، على مسرح بابل في
قلب أُور ، ولا تعجب " .
تصفيق ، وانحناء لتلك الحركة
السحريَّة ، فجاءة يدقُّ الصمتُ ناقوسه ، ينزوي بركن المسرح ، ويغرقُ في شواطئ
الدمع ، وتهبطُ سحابةُ السكونِ ، تتهدمُ .. تتكوم قامته بطرفِ المسرح ، تمدُّ إليه يدها " هيا قم .. ، كفكف دموعك "
، لن تصل يده ، تحاول ولا تصل ، فتُعزَفُ أَلحانُ الوجعِ ، تصطدمُ بجدارٍ مستحيلٍ
، وتُسدلُ ستائرَ الأَسى ، تتكسرُ أَقفالُ الحلمِ ، وَتَميدُ من تحتها أرضُ المسرح
، يَتلاشى ضياءُ الابتسامةِ ، تتوقف مذعورة .
أَجواءٌ يعصف بها دويٌّ رهيبٌ ، كأَنَّ عصا موسى
تخرج من جديد ، تُسدلُ أَستار السجود ، تخرجُ
قطعة بيضاء ، ملطخة بالدماء ، كأَنها عَلَمٌ ، مكتوب عليها ، " ياسمينة قلبي
، يا بلقيس الأَرضين ، مملكتك ذات الورود ، همس أطباؤها من يَفدي الأميرة ، فسبقتُ
الجميع لفداك " وخُطَّ في ذيلها خط متقطع متعرج " أَ ينـــ سى اليا ســــ
مين عبيره !! أم ينسى القلـ ـــب جســــ ــــــ ده " !!
تغير وجهُها ، ورحلت عصافيرُ فرحها
، انهارَ طودُ بهجتها بهذه الكلمات ، لفَّها بحرٌ ثقيلٌ بموجٍ من الأَلمِ ، أَنفاسها تصارعُ مجراها
-
" تُرى من كتب هذه ؟
من
.... ؟
من وضع هذه القطعة هنا ؟
هل وصية من أبي .. لا ، كُلّ شيءٍ أمي سلمتنيه ، لا ليس أبي .. أمي كانت
تخشى الدماء " ، تسارعت ضربات قلبها ، يتألم ويتزايد وجعه ، نادت جاريتها .
- " لبيك يا عطر الأَيامِ .. إِلى الآن لم تنامي ؟
"
تشير لها بالتقدمِ ... وهي طريحة
الكيان ، متهدمة الأوصال ، عسيرة الكلام .
-
" ما هذه القطعة ؟ ، من كتبَها ؟ ، من وضعها هنا ؟ ، ما
حكايتها ؟ أجيبي .. أجيبي .. هيا أجيبي ... !! " .
الجاريةُ تدورُ بوجهها ودموعها
تنهال هيا لنذهب إليه .. " اتبعيني " .
- من هو ؟ ولِمَ البكاء ؟
- عند القبرِ تقفُ ، وتشير " هذا صاحبها ، وأعطاني إياها
أمانةً لك تحملُ وصيته " .
تقرأها : "
جئتُ باحثاً عنك من متاهات المجهول ،
وتحملتُ الأعباء والقيود ، وبعد عناء مرير ، وشوق عتيد ، وصلت ، لكن شيطان الهوى
غضب ، أقسمَ بــ " لن تراها " ، دخلتُ صالة المشفى عساني أراك ، وجاء
نداء نريدُ لها قلباً ، وكانتْ أمنية العمر أني أفديك ، قلتُ ها هي فرصة الخلود ،
فجيء بالمشرطةِ وكتبتُ بدمائي وصيتي ، فأَنا سأعيش عطراً طيباً ، يمازج ذكركِ قلبي
، وأُبعثُ في كُلِّ صباحٍ عندما تغمزُ لك
الشمسُ .....
- اغرورقَ القبرُ بهديلٍ متحشرجٍ ، تَمزجُ شعرها بالترابِ
، تضاجعُه تارة كأَنَّها تغورُ عالمه ، ثم تعودُ لذلك الأنين ، نحيبُها سياطٌ
تلسعُ الأُذنَ بالشررِ ، " أَبعدَكَ يا هدهدَ الروحِ تحلو حياة الياسمين ، أم
يطيبُ ريحه ؟ " .
-
لم تستطع أن تكمل الجارية
، فالملكة تمددتْ على القبرِ واحتضنته ، وعلا بكاؤها ، وتسربل بثوبِها الجنونُ ، انقطع
منها حبلُ الرشد ، وبدت عليها إمارات الرحيل ، وهي ترددُ : " لِمَ باسمكَ
يحلو الانتظار ... !!! "
منتظر السوادي
3 / 3 / 2012 م
خيال رقيق
ReplyDelete